ابن إياس

54

نزهة الامم في العجائب والحكم

وعمل بالإسكندرية [ أيضا ] صورة راهب جالس علي قاعدة وعلي رأسه صفة برنس ، وفي يده عكاز فإذا مر به تاجر جعل بين يديه شيئا من المال على قدر بضاعته ، فإن تجاوزه ولو يمن بعد من غير أن يضع بين يديه المال ، لم يقدر علي الجواز وثبت قائما مكانه ، فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرق للفقراء والمساكين وعمل في زمنه كل أعجوبة ظريفة ، وعمل لنفسه ناووسا في داخل أرض الغرب عند جبل يقال له سدام وعمل تحته أزجا طوله مائة ذراع ، وارتفاعه ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا بالمرمر والزجاج الملون وسقفه بالحجارة وعمل دار به مساطب من زجاج علي كل مسطبة أعجوبة ، وفي وسط الأرج دكة من زجاج علي كل ركن من أركانها صورة تمنع من الدنو إليها [ ق 39 ب ] وبين كل صورتين منارة عليها حجر يضئ ، وفي وسط الدكة حوض من ذهب فيه جسده بعد ما ضمد بالأدوية الماسكة ، ونقل إليه ذخائره من الذهب والجواهر وغيره ، وسد باب الأزج بالصخور والرصاص ، وهيل عليها الرمال . وكان ملكه ثلاثا وسبعين سنة ، وعاش مائتين وأربعون سنة وملك ولده من بعده ايساد فعمل مرآة في مدينة منف تري الأوقاف التي تخصب فيها مصر وتجدب ، وبنى بداخل الواحات مدينة ، ونصب قرب البحر أعلاها كثيرة . وعمل خلف المقطم صنما يقال له صنم الحيلة ، فكان كل من تعذر عليه أمر يأتيه ويبخر فيتسر ذلك الأمر له . وجعل بحافة البحر المالح منارا يعلم منه أمر البحر وما يحدث فيه ، من أقصي ما يصل إليه البصر علي مسيرة أيام ، وهو أول من أتخذها ويقال أنه بني أكثر مدينة منف . ولما تدارس « 1 » بن صا الأحياز كلها بعد أبيه ، وصفا له ملك مصر ، بني في غربي مدينة منف بيتا عظيما من كوكب الزهرة ، وأقام فيه أصناما عظيمة من لاروزد مذهب وسورها بسوارين من زبرجد أخضر [ ق 40 أ ] . فمنها صنم في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر ، وفي رجليها خلخالات من حجر أحمر شفاق ونعلان من ذهب وبيدها قضيب مرجان وهي تشير بسباتها كأنها تسلم على من في الهيكل . وجعل حداها تمثال بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مملوء بذهب ، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها في كل سبعة أيام .

--> ( 1 ) ورد عند المقريزي ( بدراس ) .